أبو نصر الفارابي
55
كتاب السياسة المدنية
إليه . وذلك أن تصير المعقولات التي هي بالقوة معقولات بالفعل . فمن ذلك يحصل العقل الذي كان عقلا بالقوة عقلا بالفعل « 1 » . وليس يمكن أن يصير كذلك شيء سوى الإنسان ؛ فهذه السعادة القصوى التي هي أفضل ما يمكن الإنسان أن يبلغه من الكمال « 2 » . فعن هذين يكمل وجود الأشياء التي بقيت متأخرة واحتيج إلى إخراجها إلى الوجود بالوجوه التي شأنها أن تخرج إلى الوجود بها ، وبالوجوه التي شأنها أن يدوم وجودها بها . والأجسام السماوية كثيرة وهي تتحرك باستدارة حول الأرض أصنافا من الحركات كثيرة . ويلحق جميعها قوة السماء الأولى وهي واحدة . فلذلك تتحرك كلها بحركة السماء الأولى ولها قوى أخر تتباين وتختلف بها حركاتها . فالقوة التي تشترك فيها جملة الجسم السماوي يلزم عنها وجود المادة الأولى المشتركة لجميع ما تحت السماء . ويلزم عن الأشياء التي تتباين بها وجود الصور الكثيرة المختلفة في المادة الأولى . ثم تلحق الأجسام السماوية لأجل اختلاف أوضاع بعضها من بعض ولأجل اختلاف أوضاعها من الأرض : أن تقرب أحيانا من الشيء وتبعد أحيانا ، وأن تجتمع أحيانا وتفترق أحيانا ، وتظهر أحيانا وتستر أحيانا ، ويعرض لها أن تسرع أحيانا وتبطئ أحيانا . وهذه
--> ( 1 ) العقل الفعال يعتني بالموجودات الأرضية ويكملها وينقلها من القوة إلى الفعل . ( 2 ) سعادة الإنسان القصوى هي أن يصير عقله الهيولاني عقلا بالفعل .